الإسلام وشبهة الرق

لقد جاء الإسلام والرقيق موجود في القانون الروماني والإغريقي والهندي واليهودي والنصراني.. ثم استمرت تجارة الرقيق عند الأمم الغربية حتى القرون المتأخرة، حيث مارست أوروبا المعاصرة الرق، وكان يموت الكثير من العبيد بسبب طرق الاصطياد وفي الطريق إلى الشواطئ التي ترسو عليها مراكب الشركة الإنجليزية وغيرها، فيموت نحو 4% أثناء الشحن، و12% أثناء الرحلة، فضلاً عمن يموتون في المستعمرات! وكانت لملكة إنجلترا "اليزابيث" سفينة اسمها "يسوع" تشتغل بخطف العبيد من غرب أفريقيا.

ومكثت تجارة الرقيق في أيدي الشركات الإنجليزية التي حصلت على حق احتكار ذلك بترخيص من الحكومة البريطانية، ثم أطلقت الحكومة أيدي جميع الرعايا البريطانيين في الاسترقاق.

ويقدر بعض الخبراء مجموع ما استولى عليه البريطانيون من الرقيق واستعبدوه في المستعمرات من عام 1680 حتى عام 1786م حوالي 2,130,000 شخصاً.

فعندما اتصلت أوربا بأفريقيا السوداء كان هذا الاتصال مأساة إنسانية، تعرض فيها سكان هذه القارة لبلاء عظيم طوال خمسة قرون.. وقد ابتدعت دول أوربا طرقا خبيثة في اختطاف هؤلاء السكان واستجلابهم إلى بلادها ليكونوا وقود نهضتها، وليكلفوهم من الأعمال ما لا يطيقون. وحينما اكتُشِفَتْ أمريكا زاد البلاء، وصاروا يخدمون في قارتين بدلاً من قارة واحدة!

تقول دائرة المعارف البريطانية (2/779) مادة Slavery: "إن اصطياد الرقيق من قراهم المحاطة بالأدغال كان يتم بإيقاد النار في الهشيم الذي صنعت منه الحظائر المحيطة بالقرية حتى إذا نفر أهل القرية إلى الخلاء تصيدهم الإنجليز بما أعدوا لهم من وسائل".

وتم نقل مليون زنجي أفريقي إلى أمريكا مقابل موت تسعة ملايين أثناء عملية الاصطياد والشحن والنقل، وذلك في الفترة ما بين عام 1661م إلى عام 1774م، أي أن عشر الذين كانوا يصطادونهم فقط هم الذين يبقون أحياء، ويتم نقلهم إلى أمريكا، لا ليجدوا الراحة والمواطنة وإنما ليعاملوا بالسخرة والتعذيب!

وكان للأمريكيين في ذلك قوانين يخجل منها العقلاء! فمن قوانينهم أن من اعتدى على سيده قُتل، ومن هرب قطعت يداه ورجلاه وكوي بالحديد المحمى، وإذا أبق للمرة الثانية قُتل! وكيف سيهرب وقد قطعت يداه ورجلاه!

ومن قوانينهم: يحرم التعليم على الرجل الأسود ويحرم على الملونين وظائف البيض.

ومنها أيضا: إذا تجمع سبعة من العبيد عُدَّ ذلك جريمة، ويجوز للأبيض إذا مر بهم أن يبصق عليهم، ويجلدهم عشرين جلدة.

وينص قانون آخر: العبيد لا نفس لهم ولا روح، وليست لهم فطانة ولا ذكاء ولا إرادة، وأن الحياة لا توجد إلا في أذرعهم فقط.

والخلاصة في ذلك أن الرقيق من جهة الواجبات والخدمة والاستخدام عاقل مسئول يعاقب عند التقصير، ومن جهة الحقوق شيء لا روح له ولا كيان بل أذرعة فقط!

ثم أخيرا وبعد قرون طويلة من الاستعباد والظلم تم تحرير البروتوكول الخاص بمنع الرق والعمل للقضاء عليه، وكان ذلك في مقر الأمم المتحدة عام 1953 م، لكن هناك فرق كبير بين أن تصدر هذه الدول قوانين تنظيمية وعقوبات حول الرق وبين أن يكون التنظيم في صلب الدين والتشريع.. ابحث في محرك البحث عن عبارة "الاتجار بالبشر" لترى ضخامة هذه المشكلة حاليا وحجم هذه التجارة بالبشر في تلك الدول وقارنها بالدول الإسلامية لتعرف الفرق.

كيف حاصر الإسلام الرق؟

إن السعي لمحاصرة ظاهرة من الظواهر الاجتماعية الموجودة يجب أن يقوم على خطة استراتيجية واضحة، والخطة التي اعتمدتها الشريعة الإسلامية لمحاصرة الرق تتمثل في جانبين مهمين: تجفيف منابع الرق وتنويع مصارفه، بعد أن كانت منابعه أكثر بكثير من مصارفه.

ولكي نتصور الأمر بصورة واضحة سنشبه الرق بمياه السد، فإذا كان السد يتغذى من مصادر متنوعة يرد منها الماء وكانت مصارف الماء من السد أقل، فإن السد سيظل مملوءا بالمياه، بل سيرتفع منسوبها.. لكن إذا كان التصريف في السد أكبر كثيرا من التغذية، فإن هذه المياه ستنضب ويخلو السد منها بمرور الوقت.. وهذا ما نراه واضحا في العالم الإسلامي اليوم، فهو يخلو من الرق.

أضف إلى ذلك أن منع الرق فجأة في مجتمعات انتشر فيها الرق يخالف الحكمة، فلا المجتمعات جاهزة لهذا التغيير المفاجئ ولا الرقيق أنفسهم جاهزون.. ولا تصح النظرة السطحية البسيطة للتعامل مع البشر وكأنهم أشياء يفرض عليها التغيير في النسيج الاجتماعي فجأة وبلا مقدمات، فهذا يخالف الأسس الاجتماعية، وأيضا يخالف طبيعة الرقيق الذين عاشوا كل حياتهم على نمط الرق ثم يتم تسريحهم بلا مقدمات ليتحملوا مسئوليات العيش التي لم يتخيلوا أصلا أنهم سيتحملونها. فالتحرير المفاجئ لا يتوافق مع الجوانب الاجتماعية والنفسية والاقتصادية للناس.

وسنّة التدرج هنا مهمة وناجحة للغاية.. وحتى تحرير العبيد في الولايات المتحدة وإلغاء الأمم المتحدة للرق لم يتم إلا بعد أن نضج الطرح حولها وطالب العبيد كثيرا بتحريرهم ونشبت المعارك والثورات أحيانا لهذا السبب، فكانت المجتمعات جاهزة لقبول التغيير، ولكن بعد قلاقل وفتن وتمردات لم تحصل في البلاد الإسلامية.

هل كان هدف لنكولن هو تحرير العبيد؟

يتغنى البعض بما فعلته الولايات المتحدة على يد رئيسها أبراهام لنكولن من تحرير العبيد، وكأنه عمل حضاري مقصود، بينما الحقيقة هي أن تحرير العبيد يهدف فقط إلى الحفاظ على وحدة الولايات المتحدة كما يقول لنكولن بنفسه: "إذا كان بإمكاني الحفاظ على الاتحاد بدون تحرير أي عبد سأفعل، وإذا كان بإمكاني الحفاظ عليه بتحرير كل العبيد فسأفعل، وإذا كان بإمكاني الحفاظ عليه بتحرير بعض العبيد والإبقاء على بعضهم فسأفعل أيضا."

https://tinyurl.com/m3wgc47

وقد كان لدى بعض الرؤساء الأمريكيين كجورج واشنطن وجفرسون عشرات العبيد.

https://wapo.st/2wbHnle

تجفيف منابع الرق

اقتصر الرق في الإسلام على مصدر واحد فقط: هو أسرى الحرب من الرجال والنساء المحاربين فقط، ولا يجوز استرقاق أي شخص من الأعداء إذا لم يكن مقاتلا في المعركة. وبذلك منع الإسلام منابع الرق الشائعة مثل اختطاف الحر أو الاحتيال عليه ثم بيعه، واستعباد الحر لعدم قدرته على سداد الديون، وبيع الأبناء لعدم القدرة على إعالتهم ومعيشتهم، وكذلك الاستعباد القائم على العنصرية، واسترقاق المجرمين والجناة عقابا لهم على جرائمهم.

تنويع مصارف ومخارج الرق

بعد أن قيد الإسلام منابع الرق في مصدر واحد فقط، جعل المصارف متنوعة وكثيرة، منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب. فيقوم المسلم بالعتق سواء كان مالكا للرقيق أو عن طريق شراءه وإعتاقه. ومن مصارف الرق:

  • كفارة القتل الخطأ
  • كفارة الحنث باليمين
  • كفارة الظهار
  • الإفطار العمد في رمضان
  • ضرب الحر لعبده المملوك
  • المكاتبة (عقد بين العبد وسيده للعتق مقابل مبلغ من المال)
  • ولادة الأمة
  • عتق الرقيق من مصارف الزكاة
  • تعظيم شأن العتق والأجر المترتب عليه "وما أدراك ما العقبة، فك رقبة"

هل الأسرى يسترقّون بالضرورة؟

عندما نقول إن المنبع الوحيد للرق في الإسلام هو الأسر في الحروب، فهل هذا يعني أنه كلما كان هناك حرب بين المسلمين والكفار وتم أسر أحد من الكفار فإنه يكون رقيقا؟ وإذا كان هناك خيارات أخرى، فهل استرقاق الأسرى هو أفضل الخيارات؟

الحقيقة هي أن هناك خيارات مختلفة وليس الرق هو النتيجة المتوقعة للأسرى، فإما أن يبقى الأسير أسيرا أو أن يفديه المسلمين بأسراهم لدى العدو، أو أن يمنوا عليه ويطلقوا سراحه.. وبالتأكيد فالخيارين الأخيرين أفضل وأعظم أجرا. قال الله تعالى: "فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً" محمد/4

بل إن من النادر جدا أن يتم استرقاق الأسرى من الرجال، وإنما يغلب ذلك على النساء (المقاتلات فقط بالطبع)، وذلك لأسباب منها أنه لا يجوز قتل النساء، ولهذا فإن إطلاقهن بعد المعركة بلا عائل قد يترتب عليه ضرر عليهن أو على المجتمع، فكان لا بد من تنظيم واضح لا يعطيهن مكانة المسلمات الحرائر بعد أن شرعن في قتل المسلمين. فإذا لم يتم فداؤهن بالأسرى المسلمين لدى العدو، ولم يتم العفو عنهن وإعادتهن للأعداء، فإنه يجوز في حقهن الرق بعد أن وهبن الحياة. ويجري على الجواري ما يجري على الزوجات الحرائر باستثناء واحد: هو أن الحرة لها الحق في اختيار زوجها بينما الجارية تحرم من هذا الحق.

ولك أن تلاحظ كيف تم تقييد وحصر هذا المنبع الوحيد نفسه أيضا، فصار الرق خيارا واحدا من ثلاثة خيارات يتم التعامل بها مع الأسرى.

مضى 14 قرنا ولم يقض عليه الإسلام!

لقد مضى الآن أكثر من 1400 عام ولم يقض الإسلام على الرق، وانتهى في عضون عقود قليلة من القرن العشرين! هناك مشكلة كبيرة في الفهم لدى من يردد مثل هذه العبارة، لأنه ببساطة لا يفهم الفرق بين التشريع وبين تطبيقه على الأرض. عندما تناقش الأمر فيجب عليك أن لا تخرج نهائيا عن التشريع. أما إذا بدأت تحاكم التشريع إلى سلوك الناس وواقعهم فالزنا أيضا والخمر والقتل والسرقة كلها محرمة، فهل وجودها بين الناس يعتبر إشكالا في التشريع؟ أبدا. يجب أن ندرك جيدا أن مبدأ المسئولية عن السلوك لدى الناس هو الأساس الأصيل لفكرة الوجود في هذه الحياة. لو كان الناس يطبقون الشريعة جبرا دون خيار منهم لانتفى مبدأ الحساب الأخروي أصلا، وهو مبدأ من أصول الإيمان. ومن هنا أيضا يمكن التفريق بين القضاء على الرق كمبدأ وبين القضاء على وجود الرقيق. فلا يدل الاحتجاج بالواقع سوى على جهل بالتصور الإسلامي الصحيح.

معاملة الرقيق في الإسلام

يقرر الإسلام أن الله عز وجل خلق الإنسان كامل المسئولية وكلفه بالتكاليف الشرعية ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره، ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة أو سلب ذلك الاختيار بغير حق، ومن اجترأ على ذلك بلا حق فهو ظالم جائر. وسنوضح متى يحق الرق على الإنسان في شريعة الإسلام.

لكن إذا كان الإنسان رقيقا، فكيف يعامله الإسلام؟ هل يعامله مثلا كما كان الرومان يعاملونه كأداة للتدريب على القتال بطعنه وقتله، أو كما كان يعامل في أوروبا وأمريكا؟

ضمان الغذاء والكساء مثل أوليائهم

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ." رواه البخاري (6050).

حفظ كرامتهم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ." رواه البخاري (6858).

وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقل أحدكم: هذا عبدي، وهذه أمتي، وليقل فتاي، وفتاتي." رواه البخاري

وأعتق ابن عمر رضي الله عنهما مملوكاً له، ثم أخذ من الأرض عوداً أو شيئاً فقال: ما لي فيه من الأجر ما يساوي هذا. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ." رواه مسلم (1657).

العدل مع الرقيق والإحسان إليهم

روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه دَعَك أُذُن عَبْدٍ له على ذنب فعله، ثم قال له بعد ذلك: تقدم واقرص أذني، فامتنع العبد فألح عليه، فبدأ يقرص بخفة، فقال له: اقرص جيداً، فإني لا أتحمل عذاب يوم القيامة، فقال العبد: وكذلك يا سيدي، اليوم الذي تخشاه أنا أخشاه أيضاً.

وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إذا مشى بين عبيده لا يميزه أحد منهم لأنه لا يتقدمهم، ولا يلبس إلا من لباسهم.

ومر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوماً فرأى العبيد وقوفاً لا يأكلون مع سادتهم، فغضب وقال لمواليهم: ما لقوم يستأثرون على خدامهم؟ ثم دعا الخدم فأكلوا معهم.

ودخل رجل على سلمان رضي الله عنه فوجده يعجن– وكان أميراً- فقال له: يا أبا عبد الله ما هذا؟ فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا أن نجمع عليه عملين!

للعبد أن يتقدم على الحر

له أن يتقدم على الحر فيما يفضله فيه من شئون الدين والدنيا، وقد صحت إمامته في الصلاة، وكان لعائشة أم المؤمنين عبد يؤمها في الصلاة.

للعبد أن يشتري نفسه (المكاتبة)

يحق للعبد أن يشتري نفسه من سيده مقابل مال يدفعه له على أقساط، بحيث يكاتب سيده على دفعات من المال يحضرها له حتى يكتمل ثمنه، فيطلقه سيده ليبحث عن مصدر للرزق يكسب منه ذلك المال. وهذا ما ورد في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ" النور/33.

والأمر هنا للوجوب، فقد قال إمام المفسرين الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره: "وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا، وسأله العبد الكتابة، وذلك أن ظاهر قوله: (فَكَاتِبُوهُمْ) ظاهر أمر، وأمر الله فرض".

بل إن للعبد إذا عجز عن إكمال ثمن نفسه أن يُدفع له من الزكاة، فعتق الرقاب من مصارف الزكاة.

هذا هو عدل الإسلام مع الرقيق وإحسانه إليهم، ومعاملته لهم.. قارنه بما ذكرناه عاليا من معاملة الأمم الغربية لهم حتى في العصور المتأخرة..

وفي مجال المقارنة يقول جوستاف لوبون في "حضارة العرب" (ص459-460): "الذي أراه صادقاً هو أن الرق عند المسلمين خير منه عند غيرهم، وأن حال الأرقاء في الشرق أفضل من حال الخدم في أوروبا، وأن الأرقاء في الشرق يكونون جزءاً من الأسرة.. وأن الموالي الذين يرغبون في التحرر ينالونه بإبداء رغبتهم.. ومع هذا لا يلجئون إلى استعمال هذا الحق." لاحظ أنه يعتبر معاملة الأرقاء عند المسلمين أفضل حتى من معاملة الخدم في أوروبا..

لماذا المعاملة الحسنة بلا حرية؟

قد يقول البعض إن حرص الإسلام على الإحسان إلى الرقيق والحفاظ على حقوقهم وحسن معاملتهم في المأكل والمشرب والملبس كما أوضحنا يشبه معاملة العجوز الساحرة للأطفال في قصة هانسيل وجريتل، حيث تقوم بتسمينهم لتأكلهم! الإشكال عند هؤلاء يتضح عند افتراض موقفهم لو كان الإسلام يحتقر الرقيق ويسمح بإساءة معاملتهم.. ماذا سيكون موقفهم من الإسلام؟ عندما يعطيك الناقد موقفا معارضا في حالة الإحسان وبالطبع موقفا معارضا في حالة الإساءة فهذا دليل صريح على أنه شخص لا ينطلق من موقف مبدئي في نقده وإنما هو عداء نفسي، فنفسه ليست مهيئة في كل الأحوال إلا لشيء واحد فقط؛ هو تحويل كل شيء إلى عيب، وستكون أنت معه متهما في كل الأحوال، سواء أحسنت أو أسأت. ومثل هذا لا قيمة لاتهاماته، لأنها تسقط تلقائيا لسقوط مصداقيتها وموضوعيتها.

هل الرق عمل أخلاقي؟

ليس كل عمل يمكنك تصنيفه إجمالا كعمل أخلاقي أو غير أخلاقي بمعزل عن أسباب وهدف ذلك العمل.. فقط الممارسات المصنفة على أساس قيمي يمكنك أن تحدد إن كانت أخلاقية أو غير أخلاقية، أو تقول إنها مشروعة أو غير مشروعة. أما الممارسات العامة فلا يمكنك الفصل فيها إجمالا من الناحية الأخلاقية أو الشرعية.

فمثلا التجارة لا يمكنك أن تعتبرها كلها أخلاقية أو كلها غير أخلاقية، فهناك من يتاجر بالسيارات مثلا وهناك من يتاجر بالمخدرات.

لاحظ مثلا أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة إذا كانا زوجين فهي مباحة وأخلاقية ومهمة لاستمرار الجنس البشري، ولكن إذا كانت زنا أو اغتصاب فهي غير أخلاقية.

بل إن القتل ليس شرطا أن نعتبره دائما غير أخلاقي.. فهو قد يكون في كثير من التشريعات أخلاقيا ومطلوبا إذا كان تنفيذه من أجل العدل والقصاص، أو من أجل حفظ أمن الأمة ضد الخونة حتى لا يتجرأ غيرهم على الخيانة.

وعلى ذلك قس كثيرا من الممارسات، ومن هذه الممارسات الرق الذي نتحدث عنه. فإذا تمكنت من العدو في أرض المعركة بعد أن شرع في قتلك وسعى فيه، ثم أبقيت عليه حيا أسيرا مع قدرتك الكاملة على قتله، وجازيته بالأدنى وهو سلب حريته مع أن حقه القتل، فلا شك أن العدول عن قتله إلى استرقاقه عمل أخلاقي. ولو أنك خيرته بين الموت وبين الرق فلن يختار الموت، خصوصا مع علمه أن هناك احتمال كبير لنجاته من الرق من خلال مصارف الرق التي ذكرناها. وإذا كان يسعى ليسلبك حياتك لو وقعت بيده ثم يقع هو بيدك فتهب له حياته وتسلب حريته مع علمك أنه قد يتحرر ويعود إلى أهله، فأنت هنا أكرم منه وأرفع أخلاقا.. وإن عفوت عنه وأحسنت إليه فقد بالغت بإكرامه ولك الأجر العظيم في ذلك.

أما النساء المقاتلات فلا يصح لمسهن عند أسرهن كما يتوهم البعض إلا بعد أن تذهب كل واحدة مع سيدها، والفرق بين الجارية والحرة هو أمر واحد: أن الحرة تختار زوجها بينما الجارية ليس لها الحرية في الاختيار.

ماذا عن استيراد الجواري؟

المقصود هنا هو شراء الجواري من خارج بلاد المسلمين.. ويجب أن لا ننسى أن هؤلاء الجواري كن إماء قبل أن يشتريهن المسلمون فليس للمسلمين دخل في كونهن إماء، والملحد الذي ينتقد الإسلام على شرائهن أو قبولهن كهدايا لا ينطلق من الواقع وإنما ينطلق من مشاعر الكراهية للإسلام، فالواقع يقول إن عيشهن بين المسلمين في معيار الأخلاق أفضل كثيرا من عيشهن بين الكفار لسببين: الأول هو فرض الإسلام لنظام صارم في إحسان معاملة الجواري كما أوضحنا، والثاني هو أن فرصة تحريرهن في الإسلام أعلى بكثير منها عند غير المسلمين. وإذا كان منطلق هذا الملحد الذي ينتقد هو مصلحة الجواري وكرامتهن فكيف يعترض على انتقالهن إلى حالة أفضل يغلب فيها أن ينلن حريتهن؟

من شهادات المنصفين

تقول المستشرقة الألمانية أنا ماري شيمل (Annemarie Schimmel): "الإسلام يأمر بحسن معاملة العبيد، فللعبيد مثلا الحق في الحصول على رواتبهم في حالات العجز والمرض. وعتق العبيد من الأمور التي يدعو إليها الإسلام، وللعبد الحق في شراء المحل الذي يعمل فيه، وله الحق في الحصول على قدر من دخل العمل، وقد قضى الإسلام نهائيا على الرق، وتبوأ العبيد أرفع المراكز، وهذا ما نلاحظه من قراءة التاريخ الإسلامي عامة." (الإسلام دين الإنسانية– ص 82)

ويقول المفكر النصراني المصري الدكتور نظمي لوقا: "لقد سوّى الإسلام بين العبدان والأحابيش وملوك قريش." (محمد الرسالة والرسول ص 185)

ويؤكد العالم جوستاف لوبون (Gustave Le Bon) في كتابه "حضارة العرب" أن أوضاع الرقيق في البلاد الإسلامية كانت أفضل بما لا يقاس من خدم المنازل في الغرب. فالرقيق- كما يلاحظ لوبون- كانوا يعتبرون من أفراد الأسرة، لا فوارق بينهم وبين الأبناء، فهم يتناولون ذات الطعام، ويلبسون ملابس مماثلة لسادتهم، ويختلطون بهم في المعيشة اختلاطاً تامًا ، حتى يكاد الغريب عن المكان لا يعرف العبد من السيد في الأسرة العربية. وقد رفض كثير من الرقيق الحرية وفَضَّلوا البقاء مع سادتهم العرب لنبلهم وكرمهم. (حضارة العرب– طبعة الهيئة العامة للكتاب– مصر– ضمن مشروع مكتبة الأسرة)

وما ذكره المنصفون من غير المسلمين مثبت بالوقائع التاريخية، فالتاريخ يثبت أن المسلمين كانوا يعاملون الرقيق كالأبناء فعلاً. ولهذا نبغ الموالي في كل الأقطار الإسلامية في الحرف والمهن المختلفة، ووصلوا إلى قيادة الجيوش والمناصب الإدارية العليا، بل وصلوا إلى رئاسة الدولة كما حدث في دولة المماليك بمصر.

فالسلطان قطز قاهر التتار كان مملوكاً عطف عليه سيده وربّاه وثقفه، ثم دفع به إلى الصفوف الأولى حتى وصل إلى حكم مصر، وكذلك الظاهر بيبرس والملكة شجرة الدر وعز الدين أيبك وكافور الإخشيدي وغيرهم. ولولا سماحة الإسلام ونبل معاملته للمماليك لما كان من هؤلاء حكام خلّدهم التاريخ الإسلامي كما لم يحدث في أية أمة أو حضارة أخرى. وصدق قول عبد الله بن عباس رضي الله عنه : "هكذا الإسلام يزيد الشريف شرفاً ويرفع المملوك على الأسّرة".

و كان من أهم الشخصيات في التاريخ الإسلامي كله من كانوا عبيداً من قبل، وأنعم الله عليهم بالإسلام والحرية ثم خلود الذكر. ونكتفي هنا ببعض الأمثلة فقط:

  • بلال بن رباح: صاحب أول آذان في تاريخ الإسلام ثم مؤذن الرسول عليه الصلاة والسلام طوال حياته. هل هناك أشرف من الآذان الذى يدعو الناس إلى بيت ربهم للصلاة والوقوف بين يدي الخالق جل وعلا؟ ألا يدل تكليف النبي صلى الله عليه وسلم لبلال العبد السابق بهذه المهمة السامية على تشريف الإسلام لأولئك الذين استعبدوا وأهدرت إنسانيتهم حيناً من الدهر؟ وكان عمر رضي الله عنه يأذن له بالدخول عليه قبل أبي سفيان بن حرب سيد مكة في الجاهلية.

  • صهيب الرومي: صلى إماماً بالصحابة صلاة الجنازة على عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وكان خلفه مأموما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة وسعد بن أبي وقاص وغيرهم من سادات العرب، وهو العبد السابق الذي أعزّه الله بالإسلام.

  • زيد بن حارثة: تولى– ثم ابنه أسامة من بعده– قيادة جيش المسلمين، وكان من جنوده سادات وأكابر المهاجرين والأنصار.

  • الحسن البصري: كان أبوه من العبيد الذين تحرروا بالإسلام، وكانت أمه مولاة للسيدة أم سلمة، وهو إمام فقيه له مكانة عظيمة في تاريخ العلماء والفقهاء المسلمين.

  • محمد بن سيرين: تحرر أبواه بالإسلام، وله مكانة وغزارة علم وتقوى ومنزلة رفيعة في قلوب السلف والخلف.

  • عكرمة مولى ابن عباس: كان من أكثر الناس دراية بعلم حبر الأمة سيده ابن عباس رضي الله عنهما. ومثله نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما.

  • سالم مولى أبي حذيفة: قال عنه عمر رضي الله عنه، لو كان حيا لاستخلفته على المسلمين.

  • زيد بن حارثة: ورد اسمه في القرآن، وقالت عائشة عنه: لو كان حيا لاستخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين، أي جعله خليفة.


شارك هذه الصفحة مع الناس، فواللهِ لَأن يُهدى بك رجلٌ واحدٌ خيرٌ لك من حُمْرِ النَّعَمِ.